تأملات شهر قلب يسوع الاقدس – اليوم الخامس عشر

sacred_heart_jesus_15

اليوم الخامس عشر ( تأمل في حاجتنا الى الله)

كل نفس تشعر بحاجة الى الله، وحاجتها هذه لا يستطيع غير الله ان يسدها لأن لا شيء يقدر ان ينوب مناب الله.
ولذا نرى الأنسان منذ بدء وجوده يطلب الله ويتوق اليه ولا يقدر ان يستغني عنه.
إن الخلائق وخيرات الأرض تقدر ان تلهينا عن الله ولكنها لا تستطيع قط ان تمنع حاجتنا اليه.
إن الملك سليمان الحكيم بعد كل ما إشتهى قلبه من خيرات الأرض وأفراح الدنيا اعترف في الآخر ان جميع هذه الخيرات وهذه الأفراح باطلة وكآبة للروح ( جامعة 2 : 11 ).
وسمعنا داؤد أباه يصرخ أكثر من أبنه بشوق نفسه الى الله فقال: (( اللهم أنت الهي واليك أبتكر، عطشت نفسي اليك، أشتاق اليك جسدي)) (مز 62 : 2).
فهذا الصوت هو صوت كل نفس، وهذا العطش لا يرويه غير الله كما ان عطش الجسد لا يرويه غير الماء الزلال.
وهذا ما يفهمنا اقبال كل انسان على عبادة الله في كل مكان وزمان منذ تكوينه على الأرض، فأنه إذ جهل الله الحق، عبد عوضه الأوثان، حتى جاء المسيح فنادانا قائلاً: تعالوا الي ولا تعبدوا غيري انا الأله الذي لا يستطيع غيري ان يشبع جوعكم ويروي عطشكم. 
وفي هذه الأيام يرى الله الأنسان قد ظل عنه ويحب الأرضيات والماديات وبردت محبته له، فدعاه اليه بعبادة قلبه الأقدس ليهبنا ذاته ويسد عوزنا بقبولنا سر القربان المقدس الذي هو روح عبادة قلب يسوع غذاؤنا، لأن هذه العبادة بدون القربان المقدس تكون كجسد بلا روح ولكل حي طعام وبدون هذا الطعام يكون ميتاً.
فالجسد يحيا بالطعام، والنبات يحيا بالطعام، والحيوان يحيا بالطعام، والطير يحيا بالطعام، وكذلك العبادة لقلب يسوع الأقدس تحيا بالطعام وطعامها القربان المقدس.

تأملات شهر قلب يسوع الأقدس – اليوم الرابع عشر

sacred_heart_jesus_14

اليوم الرابع عشر (تأمل في دعوة قلب يسوع الى جميع الناس اليه):

تعالو اليّ جميعاً (متى 11 : 28) فأستمعوا بني البشر وتعجبوا من لطافة هذه الكلمات فرط حلاوتها حتى ان القديس باسيليوس السلوقي يقول في التعليق عليها: تعالوا الي جميعاً فأني لا أضع حداً لمواعيدي، وقلبي ينبوع الجودة التي لا تنفذ، يمحو آثامكم وخطاياكم.
تعالوا الي جميعاً فأريحكم، أعرضوا علي أسقام خطاياكم فأعالجها، اظهرو جروحاتكم فأضع عليها المرهم.
تعالو الي جميعاً فأن قلبي رحب يسعكم جميعاً وبحار جودتي فسيحة لقبول اجواق الخطأة الذين كالأنهار يلقون نفوسهم فيها لكي يغرقوا زلاتهم ومآثمهم.
تعالوا الي جميعاً إذ لابد لقولي من مفعول فأنه شبكة ألقيتها في بحر العالم لأصطاد البشر واقيدهم بها.
تعالوا الي جميعاً. ياللصوت القدير الذي انتصر على جميع الأمم ويا للكلمة العلوية قد أسّرت المسكونة كلها تحت نير الأيمان بسلطتها واقتدارها. تعالو جميعاً الى قلبي، تعالو ايها الأطفال الى قلب يسوع فأن محبته أشد من محبة أمهاتكم لأن محبتهنّ ظل بجانب ما يحبكم هذا القلب الحبيب.
تعالوا ايها الشيوخ الى قلب يسوع فأنه يرجع عليكم شبابكم لتصبحوا كالنسر.
هلموا ايها الأبرار الى قلب يسوع حتى اذا ما تحصنتم في هذا الملجأ الأمين أرتقيتم يوماً فيوماً من فضيلة الى فضيلة.
تعالوا ايضاً ايها الخطأة بأجمعكم الى قلب يسوع فأن كانت خطاياكم كالقرمز فيبيضها كالثلج (أشعيا 1 : 18).
فيا ايتها النعجة الضالة من بيت اسرائيل، يا نفساً بائسة أعياها تعب طريق الآثام، لعلكِ تقولين وانت في تلك الحالة التي أوصلتكِ اليها اضاليلكِ، لقد خذلني الرب ونسيني سيدي (أشعيا 49 : 14)، ولكن أسمعي ما قاله الرب للقديسة آنجلا: ان اولادي الذين عدلوا عن طريق ملكوتي بخطاياهم وصاروا عبيداً للشياطين، متى رجعوا اليّ أنا أباهم فأقبلهم ويفعمني ارتدادهم فرحاً وأمنح نفوسهم الخاطئة نعماً لا أمنحها دائماً لنفوس تقية، ولذا من أرتكب خطايا جسمية يمكنه ايضاً ان ينال نعمة عظيمة ويحظى برحمة كلية.

تأملات شهر قلب يسوع الاقدس – اليوم الثالث عشر

sacred_heart_jesus_13

اليوم الثالث عشر (تأمل في الحب الأسمى):

ان محبة الله لنا لم تنته الى أقصى حدودها بتجسده في احشاء مريم العذراء وبآلامه وموته على الصليب.
ان هذه المحبة العظيمة والشديدة لم تكن إلا بداية لمحبة أعظم وأشد حيرت العقول، وقد أعلن لنا ربنا يسوع المسيح هذه المحبة بغايتها القصوى برسمه سر القربان المقدس.
إن المحبة تقرب القلوب بعشهما من بعض وغايتها القصوى الأتحاد باللذين تحبهم. ولما كان ربنا يسوع قد أحبنا للغاية (يو 13 : 1) ألجأته محبته هذه الى الأتحاد بنا فرسم لذلك سر القربان المقدس تاركاً لنا ذاته في هذا السر تحت أشكال الخبز والخمر، ويدعونا الآن الى قبوله ليحيا فينا ونحيا فيه، ليثبت فينا ونثبت فيه، فيدرك الحب غايته القصوى وندرك نحن أيضاً غاية كمالنا المسيحي.
لأننا بدون ان نثبت في المسيح لا حياة ولا خلاص لنا كما أكد لنا ذلك ربنا يسوع المسيح نفسه بقوله لنا ((إن لم تأكلو جسد أبن البشر وتشربو دمه فليس لكم حياة في ذاتكم. من يأكل جسدي ويشرب دمي يثبت فيّ وأنا فيه. من يأكلني يحيا لأجلي)) (يو 6 : 54 ، 57 ، 58). 
وما هذه الحياة لأجل الله إلا الحياة الحقيقية التي تولينا القداسة وتبعدنا عن النجاسة وتقيمنا في اليوم الآخر عن جنب اليمين.
لاشك ان خالق النفس على صورته ومثاله عالم بأن هذه النفس لا يشبع جوعها ولا يروي عطشها الى الخيرات والأفراح والمسرات بغيره تعالى، كما ان عطشه الى محبتنا لا يشفي غليله غير اتحادِه بنا، فقدم لذلك الينا ذاته الألهية في سر القربان الأقدس، وفي تناولنا اياه نجد كفايتنا ومسرتنا فنبتعد عن الخلائق وعن الخطيئة ونأتي بثمار كثيرة لحياة الأبد.
فيا للحب الذي يجهلهُ كثيرون ولا يعرفه غير القليلين. واليوم تهدينا الى معرفته عبادة قلب يسوع الأقدس وتدعونا في الوقت نفسه الى مقابلته بتناولات مستمرة.

تأملات شهر قلب يسوع الاقدس – اليوم الثاني عشر

sacred_heart_jesus_12

اليوم الثاني عشر (تأمل في شدة محبة الله للأنسان):

تعجب أيوب الصديّق من محبة الله للأنسان فقال في تعجبه هذا: ((من هو الأنسان حتى تعظمهُ وتضع عليه قلبك)) (أيوب 7 : 17).
وقال داؤد النبي: ((من هو الأنسان حتى انك تذكره وأبن آدم حتى انك تتفقدهُ)) (مز 8 : 5).
وفي الحقيقة ان الأنسان بجسده خليقة حقيرة كثيرة البؤس والشقاء ولكنه بنفسه جليل القدر وعظيم الشأن لأن نفسه مخلوقة على صورة الله ومثاله (تك 1 : 26)، ومن حيث ان الأنسان مخلوق بنفسه على صورة الله ومثاله يحبه الله محبة الأب لأبنه ومحبة الأم لولدها وفلذة كبدها.
ولكن محبة الأب لأبنه ومحبة الله للأنسان تفوق بما لا يحد محبة الأب لأبنه ومحبة الأم لولدها لأن ما صنعه الله وحبه للأنسان لم يصنعه أب لأبنه ولا أم لولدها ولا صديق لصديقه ولا عروس لعروسها، مهما تفاقمت محبتهم وبلغت أشدها.
وهذا الصنيع العظيم والعجيب هو: ((أجل لما كنا خطأة، مات المسيح في الوقت المحدد من أجل قوم كافرين، ولا يموت أحد من أجل امرىء بار.. أما الله فقد أظهر محبته لنا، إذ مات المسيح من اجلنا اذ كنا خاطئين)) (رومية 5 : 6 – 8).
فيا للحب الذي لا مثيل له، أننا أخطأنا وأسخطنا الله ومن أجل ذلك صار يسوع مخلصاً لنا لأنه أحبنا ولا يريد هلاكنا.
هذا ما أوضحه لنا القديس يوحنا الرسول بقوله: ((بهذا تبينت محبة الله لنا، ان الله ارسل أبنه الوحيد الى العالم لنحيا به)) وزاد قائلاً: ((في هذا هي المحبة ليس اننا أحببنا الله بل انه هو أحبنا وأرسل ابنه غفراناً لخطايانا)) (يو 4 : 9 – 10 ).
وفي هذا العمل حقيقة المحبة وشدتها وكمالها. فهذه محبة الله الشديدة للبشر كافة. هذه هي المحبة المنقطعة النظير التي تفوق كل محلة بشرية وملائكية جهلها الأنسان او تغافل عن معرفتها، ولذا التزم ربنا يسوع في شديد حبه لنا أيضاً ان يوحي الينا بعبادة قلبه الأقدس على يد امته القديسة مرغريتا مريم ليذكرنا بشديد حبه لنا الذي تشير اليه لهبات النار الصاعدة من قلبه أتون المحبة ويدعونا في الوقت نفسه الى محبته لأنه من الواجب علينا ان نحب الله الذي أحبنا ووضع نفسه عوضنا (1 يو 3 : 16).
وفضلاً عن ذلك ان من جهل محبة الله له، تاه عنه وثبت في شروره وخطاياه ((لأن ليس لنا خلاص بغيره)). أما من عرف محبة الله وأحبه وجد في محبته هذه كثرة الخيرات وخلاصه الأبدي وسعادته الدائمة.

تأملات شهر قلب يسوع الاقدس – اليوم الحادي عشر

sacred_heart_jesus_11

اليوم الحادي عشر (تأمل في رأفة قلب يسوع وتحننه على البشر ):

أقرن الرب يسوع بصفاته السنية ومزاياه العلوية حنواً تجاوزَ الحدود فقال: أن تنعمي بين بني البشر ( أمثال 8 : 31 ).
أما وداعته فقد تفاقمت عذوبة حتى انها أثرت في قلوب اعدائه الألداء أنفسهم، فأنهم قدموا أمامه امرأة زانية فلم يرذلها بل أخزى المشتكين عليها. فترك الخطأة ان يقتربوا منه لا بل خالطهم وأراد ان يُدعى مُحب العشارين والخطأة، بل من تشاهد منطرحاً على قدميه المقدستين متخذاً أياهما مأوى وملجأ ؟ .
أنك تشاهد المجدلية الخاطئة الشهيرة التي غفر لها بفعل واحد من محبته كل ما أرتكبت من الآثام وسببت من الشكوك. فيا أيتها المجدلية السعيدة لستِ انت التي خطوت الخطوة الأولى نحو هذا المعلم الألهي، بل هو الباديء الذي قرعَ باب قلبك وتوقع ان تأتي وتنطرحي على قدميه وتغسليهما بدموعكِ وتمسحيهما بشعر رأسكِ ، فقد غفر لكِ كثيراً لأنكِ أحببتِ كثيراً أو بالأحرى لأنه أحبكِ كثيراً.
أبدى المسيح عنايته حتى بالأطفال وهم غير قادرين ان يعرفوه ، لكنهم أنجذبوا اليه بمجرد وداعته، ولما أراد الرسل ان يطردوهم منعهم قائلاً : (( دعوا الصبيان يأتون اليّ )).
فباركهم وأحتضنهم ولاطفهم، اذا تركهم ابواهم أعتنى هو بهم. فأن نسيت الأم بنيها فهو لا ينساهم.
أفما رأيتَ كيف قبِلَ الأبن بنيها فهو لا ينساهم.
أفما رأيتَ كيف قبل الأبن الشاطر الذي انطرح على قدميه وقال لأبيه : (( لست أهلاً لأن أدعى لكَ إبناَ )) ؟ أما هو فبادر اليه وعانقه وضمه الى صدره والدموع تهطل من عينيه.
وحالما اظهر علامات الندم أعاد اليه حقوق الوراثة والأنعطاف الوالدي. جال هذا الراعي الصالح وهو يحسن وينعم فرأى حظيرته قد كثر مرضاها وثخنت جراحاتها وسكب عليها زيتاً وخمراً وأبراها.
فتح عيون العميان وشفى المقعدين، أبرأ العرج وشفى البرص.
بكت أم على وحيدها فتحنن قلبه عليها، لأنه يشعر بشدة الأوجاع التي تمزق قلبه الطاهر عندما تموت احدى النفوس بالخطيئة، فتقدم ولمس النعش وقال : (( ايها الشاب لكَ أقول قُم )) ثم دفعه الى امه. شاهِدهُ على قبر لعازر الذي دعاه حبيبه، فبكى عليه حتى ان اليهود لم يتمالكو ان صرخوا قائلين : أنظرو طيف كان يحبه. ( 11 : 36 ) .
وماذا تقول عن كيفية سلوكه مع تلاميذه انفسهم ؟ وبكم من الصبر الجميل احتملهم ؟ فقد خانه يهوذا ، أما هو فما زال يلقبه بأسم صاحب قائلاً : يا صاحب أبهذا أتيت ( متى 26 : 50 ) أنكره بطرس فألتفت اليه بلطف ودون ان يوبخه او يشكو منه، أبكاه بكاءاً مراً.
ونقول باجمال: ان حياة المخلص لم تكت إلا وداعة وحلما ومحبة للبشر .

تأملات شهر قلب يسوع الاقدس – اليوم العاشر

d9c55813036056c87fbcbf900cec0ffd

اليوم العاشر (تأمل في محبة قلب يسوع لنا)

ان قلب يسوع يحبنا ومن اجل حبه لنا تأنس وولد في مغارة حقيرة ومات على الصليب ليفي عن خطايانا وترك لنا ذاته في سر القربان المقدس ليغذي نفوسنا ويكون تعزيتها وخلاصها.
إن قلب يسوع يحبنا مع كثرة شرورنا وخطايانا، بل يحبنا من اجل هذه الشرور والخطايا عينها ليزيلها عنا ويزكينا، لذلك ترك لنا جميع استحقاقات حياته والآمه وموته على الصليب ليغنينا بها.
إن قلب يسوع يحبنا محلة جعلته يترك أباه وسماءه وملائكته ليأتي الينا ويساكننا ويضمنا الى صدره ويكون لنا ملجأ وملاذاً في محننا وتجاربنا. إن قلب يسوع يحبنا وقد أحبنا اكثر من نفسه اذ انه بذلها عنا فوق الصليب ومن بذل نفسه عن غيره اعطاه كل شيء ولم يبق له شيئاً.
أراد أبوه السماوي ان يرشقنا بسهام سخطه وغضبه، فمثل هو امامه وتوسط بينه وبيننا ورد عنا تلك السهام بل قبلها هو في جسده فمزقته تمزيقاً.
قبلها في قلبه فطعنته وجرحته وفتحته وأخرجت منه دماً لغسل خطايانا وخطايا العالم بأسره.
إن قلب يسوع يحبنا، لذلك لم يبال من اجل حبه لنا بكرامته ولا بمجده ولا بعظمته، فصبر على انواع الأهانات والأوجاع ولم يفتح فاه امام مقرفيه والمشتكين عليه زوراً والطالبين صلبه عوضاً عن جزيل احساناته اليهم، واليوم يصبر على هذه الأهانات وهذه الأوجاع عينها في سر القربان المقدس.
فهل من حبٍ أعظم من هذا ؟ وهل يسعنا بعد سماعنا كل ما تقدم عن محبة يسوع الشديدة لنا بكل محبة قلوبنا نادمين بل باكين على الأيام التي صرفناها في محبة الخليقة وأباطيل الدنيا ؟ فلنصلح اذن سلوكنا ولنرجع من كل قلبنا عن غيّنا الماضي لنحب يسوع كما أحبه القديسون.

تأملات شهر قلب يسوع الاقدس – اليوم التاسع

sacred_heart_jesus_8

اليوم التاسع (تأمل في صبر قلب يسوع الأقدس)

إننا لا نتكلم في هذا التأمل على صبر يسوع، على الأحزان والأوجاع التي احتملها حباً بنا مدة اقامته معنا على الأرض. بل موضوع كلامنا يكون الآن على صبره تعالى على الاهانات التي تصيبه من الخطأة وعلى تأجيل توبتهم. ومنهم من يؤجلها الى ساعة موته وتكون إذ ذاك توبتهم من الخوف والأضطرار لا من اجل حب الله ومن التوجع على اهانته. فتمادي الخطأة في خطاياهم واصرارهم عليها حتى الموت، هو الذي يصبر عليه قلب يسوع صبراً فاق كل صبر على الأرض.
إن ايوب صبر على فقدان خيراته الزمنية وعلى موت اولاده الزمني، أما يسوع فيصبر على خسارته النفوس التي أفتداها بدمه الكريم، وهو دم يفوق جميع خيرات الأرض بما لا يقدر ولا يوصف. إن جميع التدابير التي يدبرها لخلاص الخطأة تذهب بلا جدوى لهم. انه ابوهم وهم ينكرون ابوته. انه ربهم وهم يهينون ربوبيته. انه مخلصهم وهم يرفضون خلاصه. انه فاديهم وهم يأبونَ فداءه. ولذا سمعناه يشتكي بلسان ملاخي نبيه قائلاً : (( ان كنتُ أباً فأين كرامتي، وإن كنتُ سيداً فأينَ هيبتي )) ( ملاخي 1 : 6 ).
ومما يزيد صبر الله عجباً هو طمع الخطأة في صبره هذا فأنهم يرونه صابراً عليهم فيواصلون اهانته عوض ان يتوبوا. واذا قلتم لماذا يصبر الله على الأثمة كل هذا الصبر، أجبتُ انه يصبر عليهم لكي لا يبقى لهم حجة في هلاكهم. لأن السنين عند الله كيوم واحد والصبر الطويل اجدر بالاه الرحمة من البطش والانتقام السريع، لأن الصبر فضيلة والانتقام قصاص والفضيلة اكمل وأمجد من الأنتقام.
فاذا أجل الله حسابه وأطال صبره فيقصد بذلك خير الخطأة لعلهم يتوبون لأنهم لا يزالون شعبه ورعيته ولا تزال حقوقه عليهم ثابتة.
وفي الحقيقة ان خطأة كثيرون تابوا لصبر الله عليهم وندموا وصاروا في طريق الفضيلة والقداسة.

تأملات شهر قلب يسوع الاقدس – اليوم الثامن

sacred_heart_jesus_8

اليوم الثامن (تأمل في وداعة قلب يسوع الأقدس)

امتاز قلب يسوع الأقدس بفضيلة الوداعة، كما امتاز بفضيلة التواضع، ووداعته هذه كانت بادية على سيماء وجهه فجعلت القديس يوحنا المعمدان يشبهه من اول نظرة اليه بالحمل الوديع فقال عنه لتلاميذه (( هوذا حمل الله)) ( يو 1 : 36) بل هو ايضاً نعت نفسه بهذا الأسم فقال: (( وكنتُ انا كحمل وديع )) ( ارم 11 : 19).

تأملات شهر قلب يسوع الاقدس – اليوم السابع

sacred_heart_jesus_7

اليوم السابع (تأمل في تواضع قلب يسوع الأقدس):

إن التواضع يعده الناس جبانة ومسكنة، وهو في حكم الله فضيلة سامية القدر ترفع الانسان الى أوج المجد والعظمة.
ويؤيد كلامنا هذا روح القدس نفسه بقوله في كتابه المقدس : (( من يضع نفسه يرتفع ومن يرفع نفسه يتضع )) (لو 14 : 11).
وضعت مريم العذراء نفسها فرفعها الله الى أسمى منزلة في السماء وعلى الأرض.
ارتفعت مدينة كفرناحوم الى السماء فهبطت الى الجحيم (لو 10 : 15).
فالتواضع اذن مرقى الفضيلة والعظمة وسُلم المجد الأبدي. ولذا لما جاء ربنا يسوع الى عالمنا ليخصلنا، جاءنا بطريق التواضع (( فأخلى نفسه ووضعها في سر التجسد مع انه كان صورة الله وشبيهاً له، فأخذ صورة عبد وصار في شبه الناس فوجد في الشكل مثل الأنسان )) (فيلبي 2 : 6 – 7)، ولم يشأ حياته كلها ان يتميز عن الانسان وهو أبن الله ورب الأجناد السماوية، بل أحصى نفسه مع الخطأة فطلب معموذية التوبة من يوحنا وكان في تواضعه يخدم تلاميذه عوض ان يخدموهُ (متى 20 : 28)، بل انتهى في تواضعه الى غسل ارجلهم، فتعجب بطرس من هذا التواضع العميق فأبى ان يغسل له معلمه قدميه كما أبى يوحنا ان يعمدهُ (يو 13 : 8).
هذا ما انتهى اليه تواضع ربنا يسوع، وبهذا التواضع قرب الانسان منه وعلمه طريق الرفعة الحقيقية وهي القداسة، فلا يرتفع انسان في القداسة إلا بالتواضع على مثال قلب يسوع الأقدس.

تأملات شهر قلب يسوع الاقدس – اليوم السادس

sacred_heart_of_jesus_6
اليوم السادس (تأمل في معرفة قلب يسوع)

يعلمنا يوحنا الأنجيلي ان المسيح جاء الى خاصته وخاصته لم تقبله.
(يو 1 : 11) ولم تعرف انه المسيح الموعود به، وحيد الأب وابنه الأزلي. لأن هذه المعرفة هي هبة من لدن الله لا يدركها الأنسان بعقله بل بنعمة فائقة الطبيعة وبنور الوحي الألهي، كما يتضح من شهادة ربنا يسوع نفسه لشمعون بطرس إذ عرف قبل الجميع ان المسيح هو أبن الله الحي فقال له إذ ذاك (( طوبى لك يا شمعون بريونا ان اللحم والدم لم يكشفا لك ذلك لكن أبي الذي في السماوات )) ( متى 16 : 17)