حياة الأخ اسطفان نعمة

حياة الأخ اسطفان نعمة

على أرض لبنان المقدّسة، أبصر الأخ إسطفان نعمه النّور، وفي ظلّ الكنيسة المارونيّة نشأ، وفي كنف الرهبانيّة اللبنانيّة ترعرع آخذًا منها روح العبادة ونفحةً قُدسِيَّة لينقلها بدوره إلى الأجيال الطالعة.

ولادته:
ولد الأخ إسطفان نعمه في بلدة لحفد، في 8 آذار 1889 من والدَين صالحَين هما إسطفان بو هيكل نعمه وخرستينا البدوي حنّا خالد. قَبِلَ سّر العماد في كنيسة السيّدة في لحفد على يد الخوري جرجس فاضل، في 15 آذار 1889 وأُعطيَ إسم “يوسف”.


حياته:

نشأ يوسف في كنف أبوَيه، وكان صغير العائلة المؤلّفة من ثلاثة صبيان وابنتين، فكان سلوى العائلة وبهجة البيت وملاكَهُ الحارس، يهرب من الضجيج ويرغب في الخلوة والإنفراد، وإذا أراد أن يُصلّي في حداثته ابتعدَ عن البيت بحيث لا يَسْمَع ما يعكِّرُ عليه صفوَ صلاته وتأمّلاته. لقد تعلّم مبادئ القراءة والكتابة، ومبادئ التعليم المسيحي مع أولاد الضيعة تحت الأشجار الموجودة قرب كنيسة مار إسطفان الجميلة. أحبّ يوسفُ اللهَ وأمّه العذراء القدّيسة منذ نشأته. وكان إذا ذكر اسم والدة الإله القدّيسة، يبتهج من القلب ويمتلكه الطرب، وبالأخص عندما يبدأ بصلاة سبحته الّتي يتلو أبياتها وحبّاتها على مهل، متأمّلاً معانيها. يصلّي بانتباه وخشوع، ومن عادته أن ينبّه أهل البيت والعائلة إلى إقامة الصلاة المسائيّة الّتي كان يدأب عليها الشعب اللبنانيّ في كلّ بيت، هذه الصلاة العائليّة الخشوعيّة التي تخمّر لفيف العائلة تخميرًا روحانيًّا وتجعل بيوت المسيحيّين زاوية من الفردوس السماويّ.
لم يكن يوسف يحبّ الاختلاط بالناس ولا السهريّات، حتّى عند الأقارب، بل يلازم بيته ويصلّي ويطيل وقت الصلاة، ثمّ يرقد وهو يردّد:
“ألله يراني، ألله يراني، يا يسوع ومريم ومار يوسف عينوني وساعدوني عند ساعة مماتي”.


دخوله الرهبانيّة اللبنانيّة المارونيّة:

عام 1905 وهو إبن 16 عامًا، غادر يوسف نعمه البيت الوالديّ متوجّهًا إلى دير مار قبريانوس ويوستينا في كفيفان ليترهّب فيه. دخل في سلكِ المبتدئين، وبعد ثمانية أيّام، لبس ثوب الابتداء، واتّخذ إسم “إسطفانوس”.
وفي 23 آب 1907، أبرز الأخ إسطفان نذوره الرهبانيّة، ولبس الإسكيم الملائكيّ على يد رئيس الدير الأب يواصاف صقر من الكفون.
عاش الأخ إسطفان، بعد نذره الرهبانيّ، إحدى وثلاثين سنة في الرهبانيّة. قضى منها قرابة الاثنتَي عشرة سنة في دير سيّدة ميفوق، وقرابة العشر سنوات في دير سيّدة المعونات في جبيل، وثلاث سنوات في دير مار أنطونيوس حوب، وحوالى ستّة أو سبعة أشهر في دير كفيفان قبل وفاته. كما عاش أيضًا في دير مار شلّيطا – القطارة، ودير مار مارون – عنّايا.
عاش الأخ إسطفان “أخ عامل” يعمل في جنائن الأديار وبساتينها، فكان رئيس “حقله”، أي خَوليًّا على أملاك الدير. كما أتقن مهنة النجارة التي تعلّمها أثناء وجوده في دير ميفوق. وبالإضافة إلى النجارة، أتقن مهنة بناء الحجر، وكان معروفًا بِبُنيتِه الجسديّة القويّة وقوّة ساعده… وهكذا، أمضى هذا الراهب سنيَّ حياته يعمل في جنائن الأديار التي تنقّل فيها.


وفاته:

كان الأخ إسطفان يعلم جيّدًا تخوم الأرض، وقد حدّدها بدماغات وضعها سابقًا في بعض الأمكنة فقد ساهم في كشف هذه الدماغات لمساعدة الدير على تحديد تخوم أراضيه. وبعد أن تـمّمَ هذه المهمّة في دير سيدة ميفوق، وحلّ المشكلة بذكائه الحادّ وروحه الطيّبة وضميره الحيّ، عاد إلى دير كفيفان. وكان متوعّكًا صحّيًّا، وبدا عليه التعب الشديد.
وفيما كان جالسًا مساءً على المشرقيّة مع الرهبان، سأله الأخ شربل نعمه إذا كان يُريد أن يملأ له الإبريق ماءً قبل أن ينام، فقال له: “إعمل ما تشاء”، ذهب الأخ شربل إلى غرفة الأخ إسطفان لمَلء الإبريق، وإذ بالأخ أنطونيوس الرامي يتبعه صارخًا: “أين الماء، أين الإبريق؟”، وأشار عليه أن يتبعه فوجدوا الأخ إسطفان قد فارق الحياة.

ما دوّن عن وفاة الأخ إسطفان:
ختم الأخ إسطفان نعمه حياته بالبرارة في دير ما قبريانوس ويوستينا كفيفان، وذلك في 30 آب 1938. وهذا ما كتب عنه رئيس الدير، الأب أنطونيوس نعمة الّلحفدي، في روزنامة الدير، باب الوفيّات:
“غادر هذه الفانية نهار الثلاثاء الساعة السابعة مساءً في الثلاثين من آب سنة ألف وتسعماية وثمانٍ وثلاثين، سنة 1938 وكان أخًا عاملاً نشيطًا غيّورًا على مصلحة الدير، قويّ البنية، صحيح الجسم، مسالمًا بعيدًا عن الخصومات، قنوعًا. وكان يتعاطى الأشغال الخارجيّة في الحقل، فطناً بالاعمال اليدويّة، محافظاً على واجباته ونذوراته، قائماً بمCopyright Imageا عهد إليه أحسن قيام. وقبل وفاته ببضعة أيّام ذهب الى دير ميفوق بخصوص تحديد الأراضي لأنّ الرهبنة كانت اشترت من بعض شركاء دير ميفوق بعض أملاك أيّام الحرب، وكان رحمه الله آنذاك في دير ميفوق، كانت تخصّهم، وفي الخريف الماضي ثار الشركاء المذكورون على الرهبنة وادّعوا ملكيّة كلّ أراضي الدير، فاضطرّت الرهبنة الى إثبات ملكيّتها وتقريرها فاستدعت لجنة المساحة لمسح أراضي الدير، ولأنّ البائعين كانوا قد أخفوا التخوم ليختلسوا ما باعوا، دُعي، رحمه الله، إلى هناك ليدلّهم على التخوم وكان لم يزل يعرفها تماماً فرُفع التراب عنها فبانت كما كان وقع الاتّفاق عليها حين البيع. فأثّر فيه الحرّ فأصابته وعكة صحيّة بسيطة تلاها دور حمّى ثمّ سكتة دماغيّة، كانت فيها نهاية حياته. رحمه الله”.

وهكذا توفّي الأخ إسطفان في 30 آب 1938 برائحة القداسة وهو في التاسعة والأربعين من عمره، بعد أن طبع مروره في كلَّ دير، وعمله في كلّ حقل بروحه الإنسانيّة والمسيحيّة والرهبانيّة الطيّبة، وبصماتُه لا تزال حيّة مُشعّة حتّى يومِنا.
دُفِن الأخ إسطفان في مقبرة الرهبان في دير كفيفان. وفي 10 آذار 1951، بينما كان رهبان الدير يدفنون المرحوم الأب يوسف الصوراتي، الّذي قضى شيخوخته في هذا الدير، وجدوا أنّ جثمان الأخ إسطفان لا يزال سليمًا. عندئذٍ نُقِلَ جُثمانه إلى قبر جديد حيث لا يزال موجودًا حتّى الآن، يزورُه كلُّ من يلتجئ إليه ويطلب إليه نعمةً ما، أو الحصول على شفاء من مرضٍ ما.

 

Comments

comments

  • حياة الأخ اسطفان نعمة

    حياة الأخ اسطفان نعمة

    على أرض لبنان المقدّسة، أبصر الأخ إسطفان نعمه النّور، وفي ظلّ الكنيسة المارونيّة نشأ، وفي كنف الرهبانيّة اللبنانيّة ترعرع آخذًا منها روح العبادة ونفحةً قُدسِيَّة لينقلها بدوره إلى الأجيال الطالعة.

    ولادته:
    ولد الأخ إسطفان نعمه في بلدة لحفد، في 8 آذار 1889 من والدَين صالحَين هما إسطفان بو هيكل نعمه وخرستينا البدوي حنّا خالد. قَبِلَ سّر العماد في كنيسة السيّدة في لحفد على يد الخوري جرجس فاضل، في 15 آذار 1889 وأُعطيَ إسم “يوسف”.


    حياته:

    نشأ يوسف في كنف أبوَيه، وكان صغير العائلة المؤلّفة من ثلاثة صبيان وابنتين، فكان سلوى العائلة وبهجة البيت وملاكَهُ الحارس، يهرب من الضجيج ويرغب في الخلوة والإنفراد، وإذا أراد أن يُصلّي في حداثته ابتعدَ عن البيت بحيث لا يَسْمَع ما يعكِّرُ عليه صفوَ صلاته وتأمّلاته. لقد تعلّم مبادئ القراءة والكتابة، ومبادئ التعليم المسيحي مع أولاد الضيعة تحت الأشجار الموجودة قرب كنيسة مار إسطفان الجميلة. أحبّ يوسفُ اللهَ وأمّه العذراء القدّيسة منذ نشأته. وكان إذا ذكر اسم والدة الإله القدّيسة، يبتهج من القلب ويمتلكه الطرب، وبالأخص عندما يبدأ بصلاة سبحته الّتي يتلو أبياتها وحبّاتها على مهل، متأمّلاً معانيها. يصلّي بانتباه وخشوع، ومن عادته أن ينبّه أهل البيت والعائلة إلى إقامة الصلاة المسائيّة الّتي كان يدأب عليها الشعب اللبنانيّ في كلّ بيت، هذه الصلاة العائليّة الخشوعيّة التي تخمّر لفيف العائلة تخميرًا روحانيًّا وتجعل بيوت المسيحيّين زاوية من الفردوس السماويّ.
    لم يكن يوسف يحبّ الاختلاط بالناس ولا السهريّات، حتّى عند الأقارب، بل يلازم بيته ويصلّي ويطيل وقت الصلاة، ثمّ يرقد وهو يردّد:
    “ألله يراني، ألله يراني، يا يسوع ومريم ومار يوسف عينوني وساعدوني عند ساعة مماتي”.


    دخوله الرهبانيّة اللبنانيّة المارونيّة:

    عام 1905 وهو إبن 16 عامًا، غادر يوسف نعمه البيت الوالديّ متوجّهًا إلى دير مار قبريانوس ويوستينا في كفيفان ليترهّب فيه. دخل في سلكِ المبتدئين، وبعد ثمانية أيّام، لبس ثوب الابتداء، واتّخذ إسم “إسطفانوس”.
    وفي 23 آب 1907، أبرز الأخ إسطفان نذوره الرهبانيّة، ولبس الإسكيم الملائكيّ على يد رئيس الدير الأب يواصاف صقر من الكفون.
    عاش الأخ إسطفان، بعد نذره الرهبانيّ، إحدى وثلاثين سنة في الرهبانيّة. قضى منها قرابة الاثنتَي عشرة سنة في دير سيّدة ميفوق، وقرابة العشر سنوات في دير سيّدة المعونات في جبيل، وثلاث سنوات في دير مار أنطونيوس حوب، وحوالى ستّة أو سبعة أشهر في دير كفيفان قبل وفاته. كما عاش أيضًا في دير مار شلّيطا – القطارة، ودير مار مارون – عنّايا.
    عاش الأخ إسطفان “أخ عامل” يعمل في جنائن الأديار وبساتينها، فكان رئيس “حقله”، أي خَوليًّا على أملاك الدير. كما أتقن مهنة النجارة التي تعلّمها أثناء وجوده في دير ميفوق. وبالإضافة إلى النجارة، أتقن مهنة بناء الحجر، وكان معروفًا بِبُنيتِه الجسديّة القويّة وقوّة ساعده… وهكذا، أمضى هذا الراهب سنيَّ حياته يعمل في جنائن الأديار التي تنقّل فيها.


    وفاته:

    كان الأخ إسطفان يعلم جيّدًا تخوم الأرض، وقد حدّدها بدماغات وضعها سابقًا في بعض الأمكنة فقد ساهم في كشف هذه الدماغات لمساعدة الدير على تحديد تخوم أراضيه. وبعد أن تـمّمَ هذه المهمّة في دير سيدة ميفوق، وحلّ المشكلة بذكائه الحادّ وروحه الطيّبة وضميره الحيّ، عاد إلى دير كفيفان. وكان متوعّكًا صحّيًّا، وبدا عليه التعب الشديد.
    وفيما كان جالسًا مساءً على المشرقيّة مع الرهبان، سأله الأخ شربل نعمه إذا كان يُريد أن يملأ له الإبريق ماءً قبل أن ينام، فقال له: “إعمل ما تشاء”، ذهب الأخ شربل إلى غرفة الأخ إسطفان لمَلء الإبريق، وإذ بالأخ أنطونيوس الرامي يتبعه صارخًا: “أين الماء، أين الإبريق؟”، وأشار عليه أن يتبعه فوجدوا الأخ إسطفان قد فارق الحياة.

    ما دوّن عن وفاة الأخ إسطفان:
    ختم الأخ إسطفان نعمه حياته بالبرارة في دير ما قبريانوس ويوستينا كفيفان، وذلك في 30 آب 1938. وهذا ما كتب عنه رئيس الدير، الأب أنطونيوس نعمة الّلحفدي، في روزنامة الدير، باب الوفيّات:
    “غادر هذه الفانية نهار الثلاثاء الساعة السابعة مساءً في الثلاثين من آب سنة ألف وتسعماية وثمانٍ وثلاثين، سنة 1938 وكان أخًا عاملاً نشيطًا غيّورًا على مصلحة الدير، قويّ البنية، صحيح الجسم، مسالمًا بعيدًا عن الخصومات، قنوعًا. وكان يتعاطى الأشغال الخارجيّة في الحقل، فطناً بالاعمال اليدويّة، محافظاً على واجباته ونذوراته، قائماً بمCopyright Imageا عهد إليه أحسن قيام. وقبل وفاته ببضعة أيّام ذهب الى دير ميفوق بخصوص تحديد الأراضي لأنّ الرهبنة كانت اشترت من بعض شركاء دير ميفوق بعض أملاك أيّام الحرب، وكان رحمه الله آنذاك في دير ميفوق، كانت تخصّهم، وفي الخريف الماضي ثار الشركاء المذكورون على الرهبنة وادّعوا ملكيّة كلّ أراضي الدير، فاضطرّت الرهبنة الى إثبات ملكيّتها وتقريرها فاستدعت لجنة المساحة لمسح أراضي الدير، ولأنّ البائعين كانوا قد أخفوا التخوم ليختلسوا ما باعوا، دُعي، رحمه الله، إلى هناك ليدلّهم على التخوم وكان لم يزل يعرفها تماماً فرُفع التراب عنها فبانت كما كان وقع الاتّفاق عليها حين البيع. فأثّر فيه الحرّ فأصابته وعكة صحيّة بسيطة تلاها دور حمّى ثمّ سكتة دماغيّة، كانت فيها نهاية حياته. رحمه الله”.

    وهكذا توفّي الأخ إسطفان في 30 آب 1938 برائحة القداسة وهو في التاسعة والأربعين من عمره، بعد أن طبع مروره في كلَّ دير، وعمله في كلّ حقل بروحه الإنسانيّة والمسيحيّة والرهبانيّة الطيّبة، وبصماتُه لا تزال حيّة مُشعّة حتّى يومِنا.
    دُفِن الأخ إسطفان في مقبرة الرهبان في دير كفيفان. وفي 10 آذار 1951، بينما كان رهبان الدير يدفنون المرحوم الأب يوسف الصوراتي، الّذي قضى شيخوخته في هذا الدير، وجدوا أنّ جثمان الأخ إسطفان لا يزال سليمًا. عندئذٍ نُقِلَ جُثمانه إلى قبر جديد حيث لا يزال موجودًا حتّى الآن، يزورُه كلُّ من يلتجئ إليه ويطلب إليه نعمةً ما، أو الحصول على شفاء من مرضٍ ما.

     

    Comments

    comments

أقرأ المزيد
  • حياة القديس جابريل لسيدة الآلام

    حياة القديس جابريل لسيدة الآلام، شفيع الشباب

    عيده 27 فبراير

    وُلِد “فرانشيسكو پوسّنتي” (جابريل فيما بعد) في 1 مارس 1838م، في أسيزي بإيطاليا.
    كان ترتيبه الحادي عشر بين ثلاثة عشر أخاً وأختاً. لأبيه “سانتي” الموظف بالحُكم المحلي و أمه “أجنيس”.
    نال امعمودية يوم ميلاده بإسم “فرانشيسكو” تيمُناً بكونه أسيزي مثل القديس فرنسيس الأسيزي.
    إنتقل والد فرانشيسكو بعد وقت قصير للعمل في “مونتالتو” ثم إلى “سبوليتو” حيث أصبح مُثَمِّن قضائي عام 1841م.
    في “سبوليتو” عانت الأسرة من ظروف محزنة عديدة: في ديسمبر نفس عام الإنتقال إلى “سبوليتو” توفيت الإبنة الرضيعة “روزا”، ثم توفيت الإبنة “أديلا” ذات السبعة أعوام في يناير 1842م، ثم توفيت الأم “أجنيس” في نفس العام 1842م. وقتها كان فرانشيسكو في الرابعة من عمره.

    في طفولته كان فرانشيسكو طفلاً صعب المِراس حيث كان شديد العصبية لفقدانه أمه في سن صغير، لكنه في المراهقة أصبح محل محبة وتقدير معارفه وجيرانه، لأنه كان مُهتماً بأعمال الرحمة الروحية والجسدية، كما تعلَّم من الإنجيل، فأصبحا المحبة والعطاء يغلبان على الطابع العصبي.
    كما اشتُهِر بأناقته واعتدال مظهره، لكن بقيَ من مفاعيل المُراهقة أنه كان مشغولاً بحضور حفلات المجتمع الراقي في “سبوليتو” وسرعان ما أصبح أفضل من يجيد الإتيكيت ومراقصة الفتيات.

    إرتبط عاطفياً بإحدى فتيات المدينة واعتزم خطبتها، لكن تصادف في نفس الفترة أن يزور ديراً لإخوة يسوع، وكان للزيارة أثراً في تحريك دعوة مُغايرة لدعوة الزواج، فبدأ يتكوَّن روحياً وتعليمياً في ديرهم، ثم انتقل ليقضي بعض الوقت في التكوين الدين العلمي لدى جامعة الأباء اليسوعيين في “سبوليتو” وقد أظهر إهتماماً وبراعة ملحوظة في الدراسة والتأمل، كما أتقن اللغة اللاتينية. وفي نفس الوقت تكونت رؤية واضحة لدى فرانشيسكو بأن دعوته هي في تكريس حياته لله من أجل الرسالة، ولكنه لم يتخذ قراراً بذلك.

    عام 1851م مَرِضَ فرانشيسكو، ولكنه تمسَّك بالأمل بأنه إن كُتِبَ له الشفاء فسيذهب فوراً ليترهَّب، ثم نسىَ وعده. وتكرَّر الأمر عندما نجى من رصاصة طائشة كادت تصيبه أثناء رحلة صيد مع أقرانه. ثم عادت تُخَيِّم الأحداث المُحزنة على الأسرة مرّة أخرى، فقد توفي شقيقه “باولو”، وانتحر شقيق آخر هو “لورنزو” في عام 1853م. وعاود المرض جسد فرانشيسكو تأثراً بوفاة شقيقيه، وكانت محنة المرض أشدّ من سابقتها. حينها قرَّر أن يقدِّم النذر الرهباني حال شفائه، وبالفعل أتمّ ذلك.

    تقدَّم بداية للإلتحاق بالرهبنة اليسوعية، ولأسباب غير معلومة لم يتم قبوله. فكانت صدمة شديدة رافقتها صدمة وفاة شقيقته الكبرى “ماريا لوسيا” بالكوليرا وهي التي كانت الأقرب إلى قلبه لأنها إعتنت به بعد وفاة والدته.

    الـــدعــــوة:
    الأخ “أولوسيوس” الراهب الدومنيكاني وشقيق فرانشيسكو، قام بإرشاده للتقدُّم لرهبنة آلام المسيح “Passionists” في مدينة “مورّوﭬـالي”. لم تكن هذه الخطوة تروق والد فرانشيسكو الذي استعان بكثير من الأقارب لكي يقنعوا فرانشيسكو بالعدول عن فكرة الترهُّب. إلا أن محاولاتهم لم تنجح. دخل فرانشيسكو مرحلة الإبتداء كطالب رهبنة في 19 سبتمبر 1856م. بعدها بيومين تسلَّم زيّ رهبنة آلام المسيح، تحت اسم الأخ “جابريل للعذراء سيدة الآلام” وقد جعل موضع تأمله وتكريسه في العذراء سيدة الآلام (الأحزان) لأنه كان دائماً يرى فيها الأم التي تُشاركه كل الأحزان التي ألمت به في محيط أسرته، بداية من اليُتم في سن مبكر ومروراً بوفاة بعض أشقاءه. وفي العام التالي أعلن جابريل نذوره للرهبنة. وكان مُرشده الروحي هو الأب “نوربرت للقديسة مريم”.

    عام 1858 م إنتقل “جابريل” مع بعض زملائه طلبة الرهبنة إلى مدينة “بيـﭬـيتورينا” لإستكمال الدراسة لمدة عام، ثم إضطروا بسبب إضطرابات حدثت هناك أن ينتقلوا إلى دير “ايزولا ديل جران ساسو” ببلدية “تيرامو”.

    إمتاز الأخ “جابريل” بتفوقه الأكاديمي بالتلازُم مع إرتفاع قامته الروحية بالصلوات والأصوام والتأمل بالكتاب المقدس. وفي الوقت نفسه بدأت تظهر عليه أعراض مرض السُلّ.
    لم يكن خبر مرضه بالسُلّ مُحزِناً له، بل كان في الحقيقة مُفرِحاً! لأنه قرَّر أن يتوحد بآلام كل المرضى، ويدخل مدرسة الألم بشجاعة، بل إنه صلّىَ أن يموت ببطئ كي يزداد تقدُّساً بالألم.

    كان دخوله في الألم غريباً، فبدل من أن تعود إليه طباعه العصبية التي عاش بها في طفولته، بدىَ أكثر صبراً وابتساماً، وحافظ على واجباته الرهبانية كاملة، برغم أنه كان معفياً من بعضها بحُكم المرض ورأي الأطباء. وعندما سائت الته ورقد على فراش الموت دون أن يستطيع القيام بواجباته، صار هو مصدر إلهام لإخوته بالدير، وكانوا يقضوا كل أوقات راحتهم معه ليكتسبوا حماساً و بسالة منه. قُبَيل وفاته طلب إراق مذكراته الروحية، حتى لا تكون مجال إكرام له بعد وفاته، لأنه كان يرى نفسه غير مُستحِقّ. فقط بقيت مخطوطات مراسلاته، ودراسته.

    أثناء الخلوة الروحية بالدير التي تسبق نَيل سرّ الكهنوت، توفيَ جابريل بين إخوته بعطر القداسة وهو يحمل الصليب وصورة العذراء سيدة الآلام، مُبتسماً بسلام، في 27 فبراير 1862م قبل أن يُكمل عامه الرابع والعشرين بأيام.
    شهود واقعة وفاته، قالوا أنه جلس في سريره بعد أن كان راقداً لا يقوى على النهوض، وكان ينظر إلى نور أشرق في غرفته وارتسم بشكل كيان، لم يميز الإخوة هيئة ذلك الكيان النوراني، لكنه كان السيدة العذراء على الأرجح.
    يقول أحد الحاضرين وهو الأخ “برناردو ماريا ليسوع” أنه كان يشعر بالخجل من كونه لم يصل إلى هذه القامة الروحية التي وصل إليها جابريل برغم كونه قد دخل الإبتداء في نفس اليوم معه.

    المصدر الرئيسي لقصة هذا الراهب الشاب القديس، كان ما دونه عنه مرشده الروحي الأب “نوربرت للقديسة مريم”.

    تم دفن الأخ جابريل في دير”ايزولا ديل جران ساسو” ببلدية “تيرامو”. في عام 1866م تم إجبار الرهبان على إخلاء هذا الدير، ولت الكنيسة التي دُفِنَ جابريل تحت أحد مذابحها مهجورة لمدة 30 عام. على مستوى شعبي – غير رسمي – إشتهرت سيرة قداسة الأخ جابريل في “تيرامو” وكان الناس يستشفعون به قبل أي إجراء لفت دعوى تطويبه. ولّوا يتوافدون على كنيسة الدير المهجورة يطلبون شفاعته، وكثيراً ما نالوا بها نعماً كانوا في حاجة إليها.
    جائت لجنة من الإخوة رهبان آلالام المسيح ليعاينوا رفات القديس ويكتبون تقريراً عن حالتها، يرفقونه بطلب فتح دعوى تطويبه، فتجمهر الناس ظَنّاً منهم أنهم سيقومون بنقل الرفات من الكنيسة وناشدوهم ألا يفعلوا ذلك.
    ثم بعد عامين عاد الرهبان بقرار حكومي إلى دير “ايزولا ديل جران ساسو” ليمارسوا حياتهم الرهبانية به.
    معجزتي شفاء موثقتين من بين كَمّ معجزات لم يتمكن أصحابها من إيجاد أدلة عليها، كانتا سبباً في تطويب الأخ جابريل: هما شفاء السيدة “ماريا مازيريلاّ” من السُلّ الرئوي والإلتهاب الأنسجة المُغَلِّفة للعظم. وشفاء لحظي لشخص يُدعى “دومنيك” من الفتق.

    كما كان معروفاً من سيرة حياة القديسة “ﭼـيما جالجاني” أنها نالت الشفاء بشفاعته وهو من قادها روحياً للترهُّب برهبنة آلام المسيح للبنات، كما تصادف أنها توفيت بعطر القداسة في نفس عمره.
    يُعتبر مزاره في دير “ايزولا ديل جران ساسو” هو أحد أماكن الحجّ الروحي الشهيرة بإيطاليا، التي يتوافد عليه الملايين سنوياً.

    تم تطويب الأخ جابريل لسيدة الآلام عن يد البابا بيوس العاشر عام 1908م وقد حضر التطويب مرشده الروحي وبعض الإخوة الذين عاصروه في دير الإبتداء. وتم إعلان قداسته عن يد البابا بندكتس الخامس عشر عام 1920م، ودعاه شفيعاً للشباب الكاثوليكي. وشفيع طلبة الإكليركيات.

    شهادة حياته وبركة شفاعته فلتكن معنا. آمين.

    Comments

    comments

  • القديس نيقولاوس

    القديس نيقولاوس – أسقف مايرا

    شفيع الأطفال الصغار و أطفال المدارس

    كان القديس نيقولاوس أسقف مدينة تدعى مايرا في لسيا التابعة للامبراطورية البيزنطية (تركيا) في أوائل القرن الرابع الميلادي حيث كان كاهنا مسيحيا و أصبح أسقفا فيما بعد.
    كان شخصا ثريا و جاب البلاد يساعد الناس و يوزع الهدايا من الأموال و الهدايا الأخرى.

    يُعرف هذا القديس في هولندا و شمال بلجيكا باسم القديس نيكولاس أو سينتركلاوس.
    وصل إلى هولندا عبر البحر من إسبانيا قبل أسبوعين من عيد مولده التقليدي في 6 كانون الأول مع مساعده بيت الأسود و الذي سيساعده في توزيع الهدايا و الحلوى على جميع الأطفال الجيدين.

    تخبرنا أشهر قصة عن القديس نيقولاوس كيف ساعد ثلاث أخوات شابات تعيسات كان الشبان يتقدمون لخطبتهن و لكن لم يكن لديهن مهور لأن والدهن و هو نبيل فقير لم يكن قادرا على توفير المال و لم تتمكنّ من الزواج بسبب ذلك.

    من المرجح أنه قد توفي في 6 كانون الأول عام 346 في مايرا، لذلك يحتفل بعيده في هذا التاريخ.
    و يعتقد أن ذخائره موجودة في باري بإيطاليا. و هو معروف لكرمه الشديد كما أنه شفيع الأطفال الصغار و أطفال المدارس.

    هذا هو أكثر ما يعرف عنه في الغرب.

    عيده: 6 كانون الأول/ ديسمبر

    Comments

    comments

  • حياة القديس مارتن دي بورس

    حياة القديس مارتن دي بورس

     

    ولد مارتن عام 1579م في ليما عاصمة ﺑﻴﺮﻭ لأب إسباني نبيل وأم ﻋﺒﺪﺓ ﺇﻓﺮﻳﻘﻴﺔ.
    بعد ميلاد شقيقته التي كانت تصغره بعامين تخلى الأب عنهما، وعملت الأم أعمال بسيطة لتنفق عليهما.
    وبعد عامين من التعليم الأساسي تم تحويل مارتن لتعلم أعمال التمريض حيث كان هذا هو التعليم الوحيد المتاح للسود إذ كان محظور عليهم استكمال تعليم عال.
    تربى مارتن في فقر شديد لكنه تعلم الإيمان في بيت أمه، كان يعمل في النهار ويسهر للصلاة في الليل.

    في سن 15 أراد مارتن الإلتحاق برهبنة الدومنيكان ليصير راهبا وكاهنا.
    ولكن بحسب القوانين في دولة بيرو المحتلة من إسبانيا كان ممنوعا على الأفارقة والهنود ومختلطي العرق الترهب من الدرجة الأولى أو الكهنوت، فطلب مارتن أن يكون أخ مكرس من الدرجة الثالثة المسماة درجة الوردية المقدسة. وهي درجة تكريس أقل من الرهبنة، ويسند لأصحابها الأعمال الإدارية والخدمية مع دراسة الكتاب المقدس واللاهوت.

    فإضطرت الرهبنة لقبوله كخادم فقط دون أن تعطيه درجة مكرس، فتقبل مارتن دي بورس الأحكام والقوانين العنصرية بتواضع حبا ﺑﺎﻟﻤﺴﻴﺢ ودون أن يحاول الإستناد لنسب أبيه، كما لم يرتدي زي تكريس الدرجة الثالثة إلا في سن 24 بعد اشتهار حسن سيرته واتضاعه وإلتزامه بالتكريس برغم عدم قبول تكرسه رسميا!

    إلتزم الأخ مارتن الفقر والطاعة والعفة وتجرد عن كل زينة وصام عن اللحوم، كما كان يتبنى أقل الأعمال ﻗﻴﻤﺔ حتى يكسر كبرياءه بعد إرتداء زي ﺍﻟﺘﻜﺮﻳﺲ، إذ إلتزم بأعمال النظافة للمكان الذي تولاه كما كان وهو ﺧﺎﺩﻡ، وخدمة المسنين بكل قلبه.
    كما أنشأ دار ﻟﻸﻳﺘﺎﻡ تولاها بنفس الرعاية. إشتهر بالـرحــمــة وشهد أكثر من شخص معجزات إرتفاعه عن الأرض أثناء ﺍﻟﺼﻼﺓ، وكذلك بالسياحة (أي التواجد بمكانين ﻣﺘﺒﺎﻋﺪﻳﻦ في نفس الوقت). والدخول من أبواب ﻣﻐﻠﻘﺔ.
    كما اشتهر بمعرفة معجزية رغم دراسته المحدودة بالنسبة لأقرانه من الرهبان والمكرسين. وأيضا اشتهر بقدرته على التواصل مع الحيوانات وفهمها، إذ كان يرعاها ويرحمها أيضا.
    إلى جانب معجزات شفاء كثيرة تمت في الحال لمرضى كان يخدمهم.
    يذكر أنه كان مأخوذا بعبادة القربان الأقدس لدرجة أنه وفيما كان رﺍكعا أمامه على إحدى درجات سلم ﺍﻟﻤﺬﺑﺢ إشتعلت حوله النار ودخل كل من كانوا ﻭﺭﺍءﻩ في حالة ذعر وفوضى فيما لم يكن هو واعيا لما يحدث.
    كما يحكى عن رحمته أنه عندما امتلأت الأسرة بالمسنين في الدار، بينما وجد فقيرا مسنا يتسول وهو شبه عاري، أخذه مارتن وأعطاه فراشه الخاص، وعندما ﻻﻣﻪ أحد الإخوة لأن الرجل لم يكون نظيفا لينام في فراشه حتى الصباح، أجاب دي بورس : “الرحمة أفضل من النظافة”.

    أشهر معجزاته إبهارا ﻛﺎﻥ عندما ضرب الوباء ليما وأصاب 60 من الرهبان المبتدئين، فتم إغلاق باب ﻳﻔﺼﻞ دير الإبتداء عن دير الرهبان الأقدم حتى لا تنتشر العدوى وكان بين دير المكرسين القدماء مارتن دي بورس، الذي أراد أن يتمكن من خدمتهم، بل ونقلهم إلى دير الرهبان الأقدم لإتساعه ووجود وسائل تدفئة فيه. ونقل عدد منهم بالفعل من خلال إنتقاله بين الديرين والباب بينهما مفلق ومفتاحه ﺍﻟﻮﺣﻴﺪ مع مدبر الدير.

    توفي مارتن دي بورس عن عمر 59 قضى معظمها في خدمة المسنين والرحمة بكل من حوله. فإعتبر رداءه التكريسي وسيلة للتبرك، واعتبره معاصريه قديس قبل رفع دعوى تطويبه من كثرة النعم والمراحم السماوية التي تمت بشفاعته.

    وتعيد له الكنيسة في ذكرى إنتقاله 3 نوفمبر، وتضعه كشفيع للهجناء (مختلطي العرق) ومن يعانون العنصرية.

    بركة شفاعته وشهادة حياته فلتكن معنا. آمين.

    Comments

    comments

أقرأ المزيد من  سير قديسين

Facebook Comments

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>

صلاة روحية

يا قلب يسوع، هبنا جميع النعم الضروريّة لحاجتنا يا قلب يسوع، ضع السلام في عائلاتنا يا قلب يسوع، عزّنا في ضيقنا يا قلب يسوع، كن ملاذنا الأكيد في حياتنا وخاصّة في ساعة موتنا

اعلان

Facebook